سيد محمد طنطاوي

522

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

« وهي » أي الجنة التي أنفق فيها ما أنفق * ( خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) * أي : ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها . وأصل الخواء السقوط والتهدم . يقال : خوى البيت إذا سقط . كما يطلق على الخلاء من الشيء . يقال : خوى بطن فلان من الطعام أي : خلا منه ، وخوت الدار إذا خلت من سكانها . والعروش جمع عرش ، وهو سقف البيت . والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه ، صارت حطاما وهشيما تذروه الرياح . وجملة : « ويقول يا ليتني لم أشرك يربى أحدا » معطوفة على جملة « يقلب كفيه . . » . أي : صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته ، ويقول زيادة في الحسرة والندامة : يا ليتني اتبعت نصيحة صاحبي فلم أشرك مع ربي - سبحانه - أحدا في العبادة أو الطاعة . وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون اللَّه - تعالى - عند الشدائد والمحن ، وينسونه عند السراء والعافية . والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد في جنته تصويرا واقعيا بديعا . فقد جرت عادة الإنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه . أن يعجز عن النطق في أول وهلة . فإذا ما أفاق من دهشته بدأ في النطق والكلام . وهذا ما حدث من ذلك الرجل - كما صوره القرآن الكريم - فإنه عندما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا . فيا له من تصوير بديع . يدل على أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - . ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال . * ( ولَمْ تَكُنْ لَه فِئَةٌ يَنْصُرُونَه مِنْ دُونِ اللَّه وما كانَ مُنْتَصِراً . هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّه الْحَقِّ ، هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً ) * . أي : ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها ، عشيرة أو أعوان ينصرونه ، أو يدفعون عنه ما حل به ، وإنما القادر على ذلك هو اللَّه - تعالى - وحده ،